في الحوارات العائلية الجانبية خلال السنتين الأخيرة كل أحد منا أنا وإخوتي نحاول أن نثبت بتنافس خفي حيازة مكانة تمنحنا بعض السلوان، وهي مكانة الابنة أو الابن الأكثر قربًا وفهمًا لأبي – رحمه الله وأسكنه فسيح الجنات- فتسمع في حواراتنا جمل نتداولها مثلًا “أنا أشبه أبي في. . .” أو “هو أول من علمني كيف أنجز هذا” أو “أكثر كلمة كان يقولها كانت. . .” أو “كان يحب هذا وذاك” وفي كثير من الأحيان، نشرح مقصده من موقف قديم أو ماذا ستكون ردة فعله على شيء نحكي عنه اليوم، وكل هذه الحوارات محاولات للقرب من أبي بعد الرحيل.
لا أحد يجهزك لهذه اللحظات من بعد فقد أبيك؛ فهذه الأحاديث التي لن يخبرك أحدًا بأنك ستخوضها مع إخوتك، لها تأثير يلازمك وكأنها خط من نور يجعلك مرتبطًا به مدى الحياة، وهذا شعور لن يجيد أحد وصفه، شعورًا غير قابل للقياس أو النسخ أو الانتقال. . . فإذا مات الأب كل ما يمكنني أن أخبرك به بأن الحياة ستكون مختلفة.
ومن الحوارات التي استرجعها وأكررها مع إخوتي، تدور حول اللحظات الأولى من كل خطوة خارجة عن المألوف اتخذتها في حياتي. . . اختيار تخصصي ومجال عملي واهتماماتي التي جعلتني تحت الضوء في مواقف كثيرة لم تكن مألوفةً اجتماعيًا، ولم تكن مألوفةً لديه- رحمه الله- إلا أنني أذكر جيدًا يده التي تصفحت أول مجلة أصدرتها في المرحلة الثانوية، واستلمت أول “سي دي” مقابلةً صحفيةً من مراسل في مدينة أخرى لتغطية أحد المشاريع، وأول صفحة حررتها في صحيفة مكة، وأسئلته التي تدور في فلك إتقان العمل والاستمرار في طلب العلم، وتقديم ما ينفع الناس في الدنيا وينفعني، فهو الذي أفنى معظم حياته في التعليم مربيًا ومعلمًا.
ما يعنيه أن يكون أبي “مفرج” هو أن يكبر في نفسك المبدأ الراسخ بأن تكون إنسانًا صالحًا قولًا وفعلًا، وبأن تتذكر دومًا بأن دوام الحال من المحال وبأن الدنيا دول، كل هذه أصبحت البوصلة الحقيقة التي أحملها وعند كل لحظة أعيد النظر فيها لكي لا أفقد الاتجاه نحو النور الذي أورثني إياه.
كان لأبي صوت جهور وحضور مهيب، ولم يكن عاطفيًا دائمًا لكن إحساسه عالٍ جدًا بالقيم والأخلاق. أن أكرر وصف شخصيته أو تأثيره علي في حديثي مع الآخرين، هو شكل من أشكال محاولة البقاء قريبة منه، فمثلًا أجدني قريبة منه إن أخبرني أحدهم بأني أجيد سرد الحكايات، فهو الراوي الأول في حياتي، وفي سنواته الأخيرة أحاول أن أطيل الحوار معه بأن أسئله عن قصة عاشها مع “جدي” أو عن تاريخ “الديرة”، أو أي سؤال يمكن أن يلامس شيء يحب الحديث عنه ليتكلم لأطول وقت ممكن.
حتى هذه التدوينة، هي محاولة للقرب منك يا أبي.