بيان الجهني رأي وفكرة

رأي وفكرة

21/02/2026 | مشهد

العلا 3 | يقظة الجمال في “قاع الحاج”

تغرس قدميك مع كل خطوة في كثبان قاع الحاج، وتنبت من جديد في نفسك شجرة ذهبية تشبه انعكاس الشمس على جبين جبال الوادي.

كانت تجربتي الأولى في التخييم مذهلة بتفاصيلها الصغيرة التي لا يخبرك عنها أحد؛ تفاصيل لا تُروى بقدر ما تُعاش. في منطقة “قاع الحاج” بالعلا، تمتد مساحة التخييم الرسمية كأنها لوحة مفتوحة على السماء، تتناثر فيها الخيام الصغيرة والسيارات ذات الدفع الرباعي، تأتي وتغادر بهدير خافت يتناغم بطريقة عجيبة مع الصمت العميق للمكان، صمتٌ وحضورٌ كثيف للطبيعة.
مع رحيل الشمس، يتبدل كل شيء. يهبط الضوء ببطء وكأنه يطوي النهار على مهل، ثم يطل القمر بهيبته الهادئة، فتتكشف السماء عن نجومها واحدة تلو الأخرى، كألماس متناثر على كفٍّ داكنة واسعة. ترفع عينيك فتشعر أن الكون أقرب مما تظن، وأن كل نجمة تحمل فكرة، وكل فكرة تفتح بابًا صغيرًا للتأمل، حتى تصبح السماء حديثًا صامتًا بينك وبين نفسك.
خيمة صغيرة بالكاد تتسع لامتداد قدميك، لكنها تكفي لتصنع عالمًا كاملًا من العزلة الجميلة. تغلقها عليك، فتسمع ملامسة الهواء لأطرافها، كأنها خطوات خفيفة تقترب ثم تبتعد، توقظك لثوانٍ قصيرة قبل أن تعود لتغرق في نوم عميق، نوم لا يشبه نوم المدن، بل نوم من سلّم نفسه تمامًا للسكون.
من الخامسة مساءً حتى السادسة صباحًا، وبين برودة وصلت إلى خمس درجات مئوية، فُتحت في قلبي ألف نافذة للجمال. شعرت كأن الهواء أكثر نقاءً، وكأن الزمن أبطأ مما اعتدناه، يمشي على مهل كي يمنحك فرصة أن ترى، أن تسمع، أن تشعر. هناك، في ذلك البرد الخفيف، اكتشفت دفئًا داخليًا لا علاقة له بالنار التي أشتعلت في الحطب.. وتجلت السكينة.
في التخييم عودة صادقة إلى النفس؛ نفس هادئة جدًا لكنها يقظة على نحو غريب. لست معتادة على هذا الانكشاف الطويل في وسط الصحراء، على هذا الاتساع الذي لا يترك لك إلا أن تواجه أفكارك كما هي. حتى أحاديث النفس تصبح أبطأ، أكثر عمقًا. يصبح التنفس فعلًا واعيًا، يملأ الرئتين صفاءً، ويترك في القلب سكونًا لا يشبه أي سكون آخر.
هناك، في قاع الحاج، أدركت أن الجمال لا يوقظ العين فقط، بل يوقظك أنت؛ يوقظ الجزء الهادئ الذي يضيع وسط ضجيج الأيام، ويعيدك كما لو أنك تبدأ من جديد.. أخفّ، أصفى، وأكثر امتنانًا لهذه الدهشة -سبحان خالقها- للحظة بسيطة تحت السماء الشاسعة.

26/01/2026 | مشهد

العلا 2 | فلق النور عتمتي على جبل “مجدر”

  • “ششششش” اصغي لهذا الصمت فضلًا!

حوار النفس في أقصى أوقات الضجيج يعيدك إلى الأرض التي تقف عليها في تلك اللحظة تحديدًا. 

بعد يومين من الصمت العميق من ساعة وصولي إلى “العلا”، وسكني في منطقة “احترق” فيها برج الاتصالات لأعيش متعة العزلة جبرًا؛ تسلل نور نقي يدعوني للاتصال بالأرض والحجر والجبل.

يوم الأربعاء عند الخامسة فجرًا وقفت أمام جبل “مجدَر” وسط الظلام أستشعر ظله مع كل نسمة باردة، فدرجة الحرارة 5 ْ وأذان الفجر قادم من بعيد؛ نداء سماوي يصب سكينته صبًا في جوف قلبي. بالعصا والحذاء المناسب والبلوفر الدافئ والقفازات الصوفية بدأت خطوات الصعود صخرة صخرة، يرشدني للدرب ضوء معلق على جبهتي مع ارتداد الليل وانتصار الصبح.

استغرق الصعود ساعتين، ومع كل خطوة اختبر ثبات الصخور بالضغط عليها بقدمي مرة أو مرتين، قبل الوقوف عليها بكل ثقلي لانتقل لصخرة أعلى، وفي هذا الفعل مشهد من الحياة الواقعية، أن تحاول اختبار الخطوة قبل المضي لما يلي، وربما في بعضها تتعثر وتقترب من السقوط وتعيد توازنك بالاتكاء على العصا أو ربما في حياتك.. عصاك الأمل. 

في الجزء الأول من قمة “مجدر” تقف على أرض مستوية إلى حد ما، يقطعها سور قصير في منتصفه نوافذ مدروسة، فتسمع تاريخ المكان.. خطو الجنود وأصوات عربات المؤونة التي تركت أثرها بوضوح متجهة نحو قلاع صغيرة، واحتكاك الأسلحة بزوايا تلك النوافذ.

وتمضي نحو القمة الثانية في مساحة تنوعت فيها تشكيلات الصخور بشكل مذهل، ورسمتها الرياح لوحات من دهشة الطبيعة.

وتصل بعد المسير إلى طريق يشبه الجسر وعلى جانبيه سفح الجبل، وتمر من فوقه يمينك ترى مزارع العلا وبيوتها البهية، وعن يسارك جبال تقف حراس للأرض والتاريخ وملامح الإنسان الصغير جدًا أمامها، وبعد المرور من هذا الجسر تتجه للنقطة الأعلى من “مجدر” حيث تختبئ العيون المطلة على المنطقة، ولها تاريخ يحكي بأنها برج مراقبة للمكان، وإطلالته تسفر بوضوح عما رأته تلك العيون المراقبة من قوافل تجّار ومسيرة الملوك والمارين أمامه من حضارة الديدانيين واللحيانيين ومن كان قبلهم وجاء بعدهم، وكل هذا يزيد من هيبة المشهد على ارتفاع 800 متر فوق سطح البحر. 

في صعود جبل “مجدر” ذهنك يتصل مباشرة بمحاولة السيطرة على نفسك لتتزن دون تعثّر، وفي حضرة هذه التفاصيل الصخرية تتخفف روحك من ثقل المدينة وضجيجها، ومع صعودي فلق نور الفجر عتمتي وانبثق.  

تجربة سأكررها حتمًا، وقمة سأعود لها مرة أخرى.


 

(المزيد…)

19/01/2026 | مشهد

العلا 1 | في معية ذاتك أنت الجميع

معية الذات في السفر وحيدًا تضيء زوايا في نفسك لم تكن لتتجلى لولا هذه الرحلة وتلك اللحظة وهذا السكون. 

هذه الفكرة للوهلة الأولى تبدو بدهية أو مبتذلة، ولكنها للإنسان بينه وبين ذاته هي والله شأن عظيم وعظيم جدًا، ولأجل هذا أجد في السفر وحيدة مسار لجوء اختاره بين عام وآخر. وبعد سنة 2025 التي زاحمت أيامها لحظات استثنائية متتالية بين الفرح والحزن، والتراجع وقوة الانتصار، أخذني المسار للسفر وحدي ولم أكن قط وحيدة. 

 

الاختيار كان الإجابة الأولى

تترك السنوات المزدحمة في النفس أثقال من اللحظات الفارقة وأخرى هامشية، وتترسب على جوانب ذاكرتك المواقف التي لامست عواطفك، وتعوّل دائمًا على نهاية العام كوقت مبرر للتوقف عن الركض.

لتجد في جوفك على قدر الامتنان أكوام من الأسئلة المتراكمة؛ لذا؛ اختيار محطة الوقوف هي الإجابة الأولى؛ وبعد أيام متعددة من المراجعة بين الوجهات اخترت “العلا”، وكان الشرط الأساسي أن أكون فيها بعيدة عن ازدحام المظاهر والحوارات العبارة، والمحاولة بلا جدوى.

 


في صحبة العقاد

أنا العقاد

في رحلات السفر وحدك يكون للقراءة لذة فريدة، فذهنك حاضرٌ تمامًا، بلا حديث جانبي يلهيك، ولا نقاش يأخذ من وقتك الذي تملكه. ومع كل رحلة يهديك قلبك للكتاب المناسب بحسب هواك حينها، فوقع الاختيار قبل موعد الإقلاع بساعات قليلة على كتاب “أنا” لعباس محمود العقاد -رحمه الله- الذي يحكي فيه عن سيرته الفكرية وتفاصيل نشأته التي شكّلت فكره وشخصيته الخالدة، وهو الذي لُقبت عائلته بالعقاد لأن جد جده لأبيه اشتغل بصناعة الحرير وعقده، فسمي بـ”العقاد” وأورث من بعده اللقب. 

رافقتني مسيرته من الدقائق الأولى لإقلاع الطائرة وحتى لحظات الوقوف في زحمة طريق المطار نحو منزلي بالرياض. في صفحاته كانت الحياة حاضرة بكل بهاء وتأثير وعمق وتأمل، وكان كل فصل وكأن العقاد يخاطبني بشكل مباشر، وبين سطوره وجدت المواساة والإلهام، ولعل هذا المكسب الأكبر من قراءة السيّر.

 


موسيقى حفيف نخيل وادي صدر

يمتد مسيال في وادي صدر غرب “العلا” ليتصل بمحمية الحرّة، وحين تتجه إلى مدخله من قلب المدينة تطل عليك بيوت الحي المألوفة وباب البقالة الصغير التي يهرب منها طفل لا يستغرب قدومك، فمن أمام منزله اعتاد مرور الغرباء نحو مزارع المنطقة.

وأنت قادم في ثياب الهارب خلف عجلة السيارة تبحث عن مسكنك المختبئ وراء جبال ترتدي نور الشمس قبل المغيب من شدة صفرتها، وترافقك طوال الطريق أغصان الشجر وسعف النخل. 

طريق مسفلت “رايح جاي” يتلوى بين المزارع وتقود فيه وكأنك راكب موجة مستعد للعلو الأخير، لتطل أخيرًا بالتزامن مع مؤشر “قوقل” بوابة خضراء تتوسط سورًا بنيًّا أقصر مما تتوقع. اقتربت من الباب الذي لا يخترقه حبل مربوط تشده ليفتح، بل يجب عليك العودة لرسالة مالك المكان بتفاصيل كتبها باللغتين، وتضغط الرقم السري على جهاز للدخول -وتلاشت صورة باب حارتنا القديمة- فهذا مسكن “وادي صدر” تفتح باب “الحوش” برقم وباب غرفتك برقم آخر، وبين البابين ممرات من جمال “العلا” الذي لا يعبأ بدهشتك ويتستمر في التباهي والتجلي.

أقف وسط غرفتي الصغيرة بسرير “كينغ” شباكين ينتصف الجدار الأيمن والأيسر، واحدًا يطل على الجبل والآخر على النخل، وإن خرجت من باب الغرفة الأبيض يأخذك الممر إلى حديقة بأرجوحة معلقة، وقطيع من الأغنام خلف سور، تقبل عليك كلما اقتربت منها، وإن وقفت ساكنًا وسط الحديقة ستفهم حفيف النخيل وكأنه يعزف الموسيقى من أجلك ويحتفي بك أيها الهارب المختبئ في مسكن وراء جبال ترتدي نور الشمس.

 

 

25/12/2025 | مشهد

صفعة وجه البليد

للمروءة أهل تدرك مزاياهم وتعرف سيماهم ولا تخطئ الروح النقية الاتجاه إليهم، وعلى أن في الإنسان كومة من العقد المتراكمة إلا أن الجوهر الصافي يحلها، ويدفعها نحو مساحات الظل فلن تظهر ولن تكن هي صاحبة القرار، ومن كل المساحات التي تزحف إلى احتلالها نزعات الإنسان “الحقيرة” تظهر المروءة سلاح من نور يحدها ويحاصرها فتعجز أمام هذا الجلاء والبهاء.

فتذكر بأن صفعات الحياة لك أحيانًا آتية لتنقذ في نفسك ما يمكن إنقاذه من وعي وفهم وتواضع، واحذر من صفعة الوجه البليد، فهذه ليس لها مكسب ولا منها حيلة ولا رجاء، فاعتزل تلك الوجوه، واحمل في قلبك ما تبقى من نقاء وارتحل حيث الملامح تستجيب لنوائب الحياة وبشائرها بالإقبال صبرًا وحبًا، ومن قبل كل شيء مروءة.

ومن مروءة الذين عرفتهم كان الصد عن القول البذيء، وتهذيب النفس في لحظات الطمع، وضبط الانفعال في لحظات الغضب، وإدراك نزعة الشيطان التي تدفعهم نحو استحقار الآخر. وجدتهم يكسرون شوكة الأذى بالصفح، ويخرسون صوت السوء بالقول الطيب، ولهم من القبول الذي لا تفهم منابعه ولكنك تستلم له تقديرًا لكل الجمال الحاضر بحضورهم.

 

وبين التجلي والانطفاء صفعة من الحياة، والفرق بينهما الوجه الذي تلقّى.

 

 

26/11/2025 | فكرة لم تعبر

عبقرية في مهب التايم لاين

 

بعد أن كانت تبهرني القدرة العالية على التعايش مع النجاحات السريعة، ومشاريع “الألعاب النارية” -ومضة بين الدهشة والانطفاء- أصبحت أتوجس منها، فحين تأخذ مساحة التفكير الإستراتيجي العميق طويل الأمد، تصبح مصدرًا لإدمان مهني مربك، وكأنك في سباق ركض بدون خط نهاية في مسار من الفراغ المطلق. 

وهذا الشعور تركته فترة كورونا في نفسي، فأصبحت في حالة مستمرة من الإنهاك والاستمرار لأجل الاستمرار، بدون هدف وهذا ما تدركه في لحظة أعتقد بأنها “النضج”، لذا حاولت لفترات طويلة أن أفهم ردة فعلي وسلوكي الاستهلاكي لكل شيء، حتى في شعوري تجاه الحياة ذاتها، وفي هذه الرحلة عرفت كتاب “السطحيون”، ولعل الدافع الأول لشراءه هو الغضب الذي أشعره تجاه الأيام التي جعلتنا في هذه الحالة الغريبة.. نعم أنا هنا أريد التخلص من كل شعور المسؤولية بأن لي يدًا فيما يحدث، وسألقي بها على عاتق الأجهزة أو “البلوة” كما يصفها والدي رحمه الله.  

السطحيون

كتب نيكولاس كار فصلًا بعنوان “العقل البهلوان”، وأجزل فقط بكلمتين الوصف لما يحدث في دماغي كلما زاد استهلاكي للمحتوى الرقمي السريع، المحتوى الذي يصنع لك شعورًا وموقفًا وتفاعلًا يمتد لـ 3 ثوان، ولم يعد من الطبيعي التركيز على مهمة واحدة لمدة طويلة، وأي تلميح بأنك تحتاج للتفرّغ يواجه بالرفض أولًا بينك وبين نفسك، وبعدها ستواجه الرفض غير المعلن، والاستنكار المختبئ في العبارات المشجعة. 

يقول كار بأنه كلما تدرّب عقلنا على القفز بين المهام، قلّت قدرته على التعمق في مهمة واحدة، والعجيب هو أن الإنترنت لا يدمّر ذكاءنا، لكنه يعيد تشكيله بطريقة قد تضعف من قدراتنا التأملية والإبداعية. فتستمر في القفز بين الانتباهين، الانتباه التلقائي (Bottom-up)  المستجيب للمحفزات الخارجية مثل إشعارات الهاتف، والانتباه الإرادي (Top-down) والذي يتطلب تركيز واع وجهد مثل القراءة العميقة أو حل المشكلات، فيعزز الإنترنت الأول على حساب الثاني، فتفقد لياقة التركيز طويل الأمد.

 

ويتحدث عن وهم الإنتاج وعقدة تعدد المهام،فتعتقد بأنك أكثر إنتاجية، لكن دماغك لن يؤدي عملًا جيدًا مع التنقل السريع بين المهام، فذلك يؤذي الفهم ويزيد أخطاؤك ويستهلك طاقة عقلية أكبر، ومع الوقت تصاب بفقدان “الذاكرة العاملة” المسؤولة عن الاحتفاظ بالمعلومة مؤقتًا أثناء معالجة ما تستهلكه، فيصبح التفكير النقدي والتحليل وحل المشكلات أصعب.

 

ولكن هل هذا الأمر نهائي وسنصبح أقل “عبقرية وذكاء” بسبب الإنترنت؟ 

الحقيقة هي أن دراسات تصوير الدماغ (fMRI) أظهرت بأن مستخدمي الإنترنت النشطين يظهر لديهم نشاط أكبر في المناطق المرتبطة باتخاذ القرار السريع والتنقل البصري، لكنهم أضعف في الاستيعاب العميق، وعلى الرغم من كل هذا.. حماية عبقريتك وفرادتك الفكرية ونباهتك الذهنية، هو في نطاق تحكمك تمامًا، فالاستهلاك يتزن حين تعطي طاقتك لشيء آخر يزيد من عمق التفكير والتركيز ويمنحك حقك الإنساني بأن تشع وتضيء بتميّز عميق ومستحق.

ومن الخطوات الوقائية التي اتخذها، وأعود لها في كل مرة أدرك بأني في حالة “العقل البهلوان” الرياضة والقراءة وتعلّم شيء جديد، وفي كثير من الأحيان خوض النقاشات المطوّلة مع أصحاب العقول المذهلة، وجلسات التأمل الطويلة، والتخفيف من استهلاك المحتوى الرقمي.

 

وكما يقول غازي القصيبي -رحمه الله- عما يحتاجه ليكتب:

“أنا بالنسبة لي لا يهم إلا أن يكون هناك قدر من السكون”

وهذا يكفي لكل شيء.. السكون لتعود لحالتك الطبيعية المبدعة، ويهدأ العقل البهلوان للحظة.

28/06/2025 | فكرة لم تعبر

إطار مُحكَم لا أراه 

في معادلة زمنية تقريبية؛ من 48 أسبوعًا هناك 24 أسبوعًا كل عام أكون فيه أعلى إنتاجية وأكثر ثراء معرفي وقوة وإقبال على الحياة عن المعتاد. وفي كل مرة أحاول تفسير هذا الروتين المستمر لسنوات، وجدت له أجوبة مختلفة ومتفاوتة ترتبط بالمواسم السنوية وظروفنا الحياتية. 

هي مدة عادة تأتي بعد حالة من الإحباط وعدم الرغبة في إنجاز شيء، ويتدفق بعدها شعورًا مضاعفًا بالمسؤولية للإنجاز، واستبدال الإحساس بعدم الجدوى الذي مررت به بأعمال فارقة، وهكذا تتكرر المدة على مدار السنة.

وفي محاولة لتفسيرها؛ سوف نشبهها بالإطار الشخصي الذي يرافق كل إنسان، شيئًا يشبه ”اسمك“ أو ”لون عينيك“ هو خاص بك ولكن هناك احتمالية أن يشبه إطار إنسان آخر. ولهذا الإطار صفات ثابتة أو طريقة تعامل تتجلى بوضوح مع كل حالة ارتفاع لمعدل الإنتاجية، فنمارس عددًا من الأعمال الثابتة أو المعتادة التي تعيد لنا الشعور بالإنجاز.

صفات الإطار الخاص بي يدفعني دائمًا نحو:

  • القراءة المكثفة.
  • الكتابة المستمرة أكثر من المعتاد.
  • الرغبة في تعلم مهارة جديدة.
  • زيادة معدل الاطلاع بشكل عام في مواضيع عدة.

وأي عمل أصنفه ضمن قائمة الإنجازات، بعيدًا عن مهام العمل المتخصصة أو الروتينية.

 

وبعد بحث وتأمل بسيط اتضح أنه مؤشر مرتبط بطبيعة تكويننا البشري الفريد، وفي قول لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه “أن لهذه القلوب إقبالًا وإدبارًا. فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإن أدبرت فألزموها الفرائض”، وفي هذا معنى يتجلى وصف حال الإنسان وتقلباته، وكيف تُضبط بالتعامل الإنساني مع النفس.

فمثلًا؛ إيمانك بأن ما تقدمه يصنع الفرق يكون عادة أقرب للشك منه لليقين كلما كبرت وزادت معرفتك، وهذه المعضلة التي خضعت لدراسات مختلفة، وطريقتي الشخصية لاستيعاب تفاصيل هذه المراحل من خلال قراءة السير والتراجم لشخصيات أبهرني نشاطهم في الحياة، بحثًا عن حالات الشك والقلق والخوف التي اعترتهم رغم كل الأعمال العظيمة التي قدموها في حياتهم، وكيف تعاملوا مع التقلبات في الإنجاز. 

وجه آخر لهذه الحالة يرتبط بالتعامل مع الضوضاء والقدرة على صمّ الأذن عنها وتقديرها؛ واحدة منها هي بالونات الإنجاز المتضخمة والمتطايرة في صفحات اللينكدإن، كل ما تقرأ عن إنجاز وتعود إلى الكواليس التي شهدتها، وتعيد السؤال.. ما النجاح هنا؟ وهل المعايير المثالية التي تلاحقني في كل خطة هي التي تعرقل التقدم الذي أرجوه؟ هل تخلص منها كل هؤلاء ليشع نجمهم ويسطع على مرأى الجميع بشكل مستحق؟ حتى أنت لا تدرك هل هو نور مقتبس أو أصيل ونابع من منجزاتهم. 

هذه التراكمات من التعرض المستمر لهذا النوع من الحديث السافر عن النجاح والإنجاز، تسبب بعض الحساسية التي يجب وزن تأثيرها كل مرة، بالعودة إلى الإطار الذي يشبهك والعمل الذي يمثلك، ومقاومة الشعور المربك بالزيف وعدم المصداقية. 

وفي محاولة لفهم الحالة المتفاوتة من الإنجاز والركود؛ أعتقد بأن السبيل الوحيد للاستمرار، بطرح السؤال: ماذا سأترك من بعدي من إرث ونجاح؟ والانتقال إلى مرحلة الكيفية واختيار المنصات والوسائل والأساليب، ومنها إلى ثبات الالتزام بروتين يدفعك إلى الاستمرار، مع تسخير حالات الشعور المضاعف بالحماس والإنجاز في فترات متفاوتة للتعويض، والإدراك بأن الاستسلام لحالة الإحباط لوقت أكثر من اللازم هي من عمل الشيطان والله أعلم. وهنا فقط أرى السبيل لترك إرث يصنع فرق جميل لو بسيط، وستراه خيرًا بعد الممات بكل إيمان بإذن الله.

20/06/2025 | فكرة لم تعبر

انتصارات الباب الموارب 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قبل خمسة أعوام، أوجدت لي الأيام بين مدينتين أحبهما بابًا موارب لم أغلقه، ولم أقوَ فتحه على مصراعيه أبدًا؛ بين جدة والرياض أصبح الرحيل والعودة عادة مستمرة، ومن حينها تجلت انتصارات الباب الموارب. 

في عام 2018 تلقيت اتصالًا عن فرصة مهنية بدت حينها وكأنها الخطوة الانتقالية التي كنت أنتظرها، وفرصة ستجعلني في ركب القادمين إلى “الرياض”، ورفضتها لأسباب مختلفة، وبقي السؤال حينها: هل ضيعت على نفسي الفرصة بسبب التردد؟ أو أن أسبابي منطقية؟ وهذا السؤال يتضخم ويكبر مع كل ردة فعل من المقربين، وعشت قلقًا بين النعم واللا، ولكني اخترت الإيمان بالأمل بأن تعود في الوقت المناسب، وكان الباب مواربًا بيني وبين الصوت القادم من العاصمة.

وبالفعل، بفضل الله قبل كل شيء؛ أتى الاتصال الثاني بنفس الفرصة من ذات الجهة ولكن صوتًا مختلفًا، وجاءت مناسبة جدًا، وتغيّر كل شيء 

مفهوم الباب الموارب مع كل ثقل الدلالات التي يحملها، أجده أسلوبًا مناسبًا للتعامل مع الحياة بكل جوانبها، أن يكون حاضرًا بينك وبين صديق باعدت بينكم المواقف أو زميل تصادمت معه ولكن حفظت له التحية والتواصل الإنساني المهني، أو قريب تراكمت بينك وبينه اللحظات المزعجة وبادرت بالسلام وصنت المودة وحرصت على الصلة، فحفظ هذه المساحة مع الآخرين في حياتك سيعود على هيئة انتصار أنت في حاجته.   

ولكل باب تغلقه تمامًا ثمن يتوشح بمشاعر الندم لاحقًا في بعض الأحيان، والباب الوحيد الذي يستحق الإغلاق بثقة هو الذي يتطفل من خلاله السوء الذي يصارع قيمك ومبادئك ويجردك من شخصيتك ويعبث بجوهر روحك. فدائمًا ما يقال أترك “خط رجعة” و “لا تحرق كل الجسور”، ولكن بعض الجسور حرقها انتصارًا، وبين هذا والباب الموارب مساحة شاسعة من الإنسانية مع النفس. 

20/03/2025 | فكرة لم تعبر

القرب من أبي بعد الرحيل

في الحوارات العائلية الجانبية خلال السنتين الأخيرة كل أحد منا أنا وإخوتي نحاول أن نثبت بتنافس خفي حيازة مكانة تمنحنا بعض السلوان، وهي مكانة الابنة أو الابن الأكثر قربًا وفهمًا لأبي – رحمه الله وأسكنه فسيح الجنات- فتسمع في حواراتنا جمل نتداولها مثلًا “أنا أشبه أبي في. . .” أو “هو أول من علمني كيف أنجز هذا” أو “أكثر كلمة كان يقولها كانت. . .” أو “كان يحب هذا وذاك” وفي كثير من الأحيان، نشرح مقصده من موقف قديم أو ماذا ستكون ردة فعله على شيء نحكي عنه اليوم، وكل هذه الحوارات محاولات للقرب من أبي بعد الرحيل.

لا أحد يجهزك لهذه اللحظات من بعد فقد أبيك؛ فهذه الأحاديث التي لن يخبرك أحدًا بأنك ستخوضها مع إخوتك، لها تأثير يلازمك وكأنها خط من نور يجعلك مرتبطًا به مدى الحياة، وهذا شعور لن يجيد أحد وصفه، شعورًا غير قابل للقياس أو النسخ أو الانتقال. . . فإذا مات الأب كل ما يمكنني أن أخبرك به بأن الحياة ستكون مختلفة.

ومن الحوارات التي استرجعها وأكررها مع إخوتي، تدور حول اللحظات الأولى من كل خطوة خارجة عن المألوف اتخذتها في حياتي. . . اختيار تخصصي ومجال عملي واهتماماتي التي جعلتني تحت الضوء في مواقف كثيرة لم تكن مألوفةً اجتماعيًا، ولم تكن مألوفةً لديه- رحمه الله- إلا أنني أذكر جيدًا يده التي تصفحت أول مجلة أصدرتها في المرحلة الثانوية، واستلمت أول “سي دي” مقابلةً صحفيةً من مراسل في مدينة أخرى لتغطية أحد المشاريع، وأول صفحة حررتها في صحيفة مكة، وأسئلته التي تدور في فلك إتقان العمل والاستمرار في طلب العلم، وتقديم ما ينفع الناس في الدنيا وينفعني، فهو الذي أفنى معظم حياته في التعليم مربيًا ومعلمًا.

ما يعنيه أن يكون أبي “مفرج” هو أن يكبر في نفسك المبدأ الراسخ بأن تكون إنسانًا صالحًا قولًا وفعلًا، وبأن تتذكر دومًا بأن دوام الحال من المحال وبأن الدنيا دول، كل هذه أصبحت البوصلة الحقيقة التي أحملها وعند كل لحظة أعيد النظر فيها لكي لا أفقد الاتجاه نحو النور الذي أورثني إياه.

كان لأبي صوت جهور وحضور مهيب، ولم يكن عاطفيًا دائمًا لكن إحساسه عالٍ جدًا بالقيم والأخلاق. أن أكرر وصف شخصيته أو تأثيره علي في حديثي مع الآخرين، هو شكل من أشكال محاولة البقاء قريبة منه، فمثلًا أجدني قريبة منه إن أخبرني أحدهم بأني أجيد سرد الحكايات، فهو الراوي الأول في حياتي، وفي سنواته الأخيرة أحاول أن أطيل الحوار معه بأن أسئله عن قصة عاشها مع “جدي” أو عن تاريخ “الديرة”، أو أي سؤال يمكن أن يلامس شيء يحب الحديث عنه ليتكلم لأطول وقت ممكن.

حتى هذه التدوينة، هي محاولة للقرب منك يا أبي.

12/09/2024 | أناس عرفتهم

“نيروز” عيد الربيع في قلبي

هذا اسمك الحقيقي؟ قوليه مرة أخرى 
الجملة الأشهر في حياة “نيروز” على اختلاف السائلين والأمكنة، من صانع القهوة صباحًا إلى العملاء في قاعات الاجتماعات الواسعة.
وهو اسم فريد بالفعل، ولمن كان يستمتع بحصة الأدب في المرحلة الثانوية، سيذكر في اللحظة الأول من اللقاء أبيات الشاعر البحتري:

“أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا      من الحسن حتى كاد أن يتكلما
وقد نبه النيروز في غسق الدجى   أوائل ورد كن بالأمس نوما”

ربما لم يدرك العم سعيد- رحمه الله- في الأسبوع الأول من ولادتها بأنه مع اختيار هذا الاسم لابنته الثالثة سيكون كالشامة على وجه الحسناء في حياة “نيروز”، يميزها ويضيف إلى حضورها حضورا، ولكنه حتما أدرك بأنها ستعيش حياة بفصولها الأربعة، وتواجه صيف أيامها بأمل الربيع، فلها من اسمها نصيب.
نيروز؛ لجميل الحظ أنها صديقتي التي امتدت صداقتها من أختي نجلاء إلي، وإلى العائلة، أدين لها بحياة كاملة من القوة لمواجهة حياتي؛ فكل إنسان لديه هذا الصديق أو الأخ في قائمة أول من يخبرهم بكل شيء، وهي الأولى في الاستشارة والبشرى ولحظة الإقبال على الحب والهرب من الحزن، حاضرة في أبسط المواقف حتى القرارات المصيرية.
واخترت أن تكون هي الأولى التي أكتب عنها، لأني أكتب وأنشر الآن بسببها، فهي التي دفعت بي إلى هذا الدرب الذي هجرته منذ سنوات طويلة، بعد جلسة طويلة في المقهى المعتاد.
“نيروز” تجيد بإتقان تحليل المواقف وقراءة الناس والسخرية في أشد المواقف جدية، فتضفي بتعليقاتها اللاذعة على الموقف شيئا لا يمكنك توقعه. تجبرني بعقلها المنطقي جدا على أن أنظر إلى حقيقة ما يخيفني بابتسامة، بعيدا عن ضباب التوقعات والتكهنات، وأدخل قلب العاصفة مطمئنة بأنها ستنتظرني في الجهة الأخرى لتخبرني… ألم أقل لك بأنك ستنجحين؟
تراها تدخل مبنى عملها العملاق بنظارتها ذات الحواف الذهبية حاملة في شنطتها الأفكار الجديدة، والانتقادات الدقيقة لكل الملفات التي وقعت بين يديها، وكل مرة رغم براعتها المعتادة تتفاجأ من نفسها بأنها قفزت العقبة التي كانت تخشاها بكل احترافية وخفة، وكل مرة تقول… فعلتها حق؟ ولا تصدق ما نصدقه فيها، أننا من اللحظة الأولى عرفنا بأنها حتما ستنجح.
هي هكذا؛ تقبل على التجربة بقلب جسور وعقل يتربص بالمتغيرات، ولم تتخل يوما عن الشك والسؤال الذي يجعلها تمشي على أطراف أصابعها في كل مرة تكون أمام تحد جديد.
نيروز، بالنسبة للجميع الإنسانة القوية، لينة القلب صافية السريرة، وبالنسبة لي مع كل ذلك “عيد الربيع” بكل ألوان أزهاره، واحتفالاته وأهازيجه ورقصاته التي لا تنتهي…

 

 

21/09/2022 | مشهد

ماذا عن العودة؟

 
بالرجوع إلى الملفات القديمة، تدرك جيدًا معنى أن تكون مختطفًا وتسرق منك لحظاتك التي ظننت أنك ستعيشها لأطول وقت ممكن، وتستشعر معنى غربتك أمام ذاتك. فالعجلة جرت خطاك إلى مسارها ومضيت تركض معها حتَّى نسيت معنى الوقوف، وصارت هي بكل غرابة مقياس الثبات، وأصبح السكون التام ترحالاً مربكًا لم تعد تألفه.
 
لكن شيئًا ما في وجدانك لا يزال صامدًا متشبثًا ببقايا أصالتك، وكل هذه القوالب لا تشبهك، وتعلم جيدًا بأنك تتعايش معها وتحملها معك وتستخدمها بوصلة للوصول إلى الطرق المزدحمة بالسالكين، لتعيش مألوفًا وتعيد تشكيل أسئلتك لتتفق مع أجوبتهم، وتهرب من أسئلتك الَّتي تحاول إيقاظ تفردك.
ماذا لو قررت العودة؟
ماذا لو كانت الطُّرق المهجورة التي لم تبعثرها الخطى بانتظارك، تلك الطرق التي أشحت النظر عنها لهثًا خلف أهداف معلبة، متى ستبدأ رحلتك إليك؟

ـــــــــــــــــ

أهلاً بك في مساحة أفكاري، هي مساحة بدأتها منذ 2016 ومن حينها تخلَّيت عن الكثير ممَّا كتبت، وأعود اليوم لأعيد التَّوثيق وأسجِّل المواقف الَّتي تمرُّ بي وتترك بصمتها، لعلَّ منكم أحدًا يجد فيها شيئًا يشبه فكرةً في باله، أو- على الأقلِّ- تكون قراءة جيِّدة ووقتًا ممتعًا. لتعرف عنِّي؛ درست الصِّحافة وامتهنت الكتابة وصناعة المحتوى وأعمل في التَّواصل. أجد في القراءة نفسيّ وخلف النقاشات المثرية عوالم من الاكتشاف والفضول المستمر. فأهلاً بك مرة أخرى.

أحدث المقالات

  • العلا 3 | يقظة الجمال في “قاع الحاج”
  • العلا 2 | فلق النور عتمتي على جبل “مجدر”
  • العلا 1 | في معية ذاتك أنت الجميع
  • صفعة وجه البليد
  • عبقرية في مهب التايم لاين
  • Twitter
  • YouTube
© 2026 بيان الجهني

 

تحميل التعليقات...