الخميس – 15 يناير 2026
مع إطلالة شمس العلا في “قاع الحاج” صباحًا بنصف يقظة أحاول استيعاب أني خارج جدران غرفتي والرحلة لا تزال مستمرة.
هدير السيارة المتجهة إلى “خيبر” عبر طريق طويل تحفه الجبال الصخرية البركانية والكثبان، ومسار الدراجات الذي أضفى على إطلالة الطريق بعدًا إنسانيًا جميلًا.. وجهتي هي قمة أحد آخر البراكين النشطة في المملكة وهي قمة “جبل القدر”.
بعد يوم “مجدر” و”قاع الحاج” تشكلت دهشة جديدة؛ أمام “جبل القدر” الذائب على امتداد أمتار طويلة، وتبدو القمة من هذه النقطة بعيدة المنال.

وفي منتصف مشهد الذوبان القاسي، يطل العشب المزهر بخجل يذكرني بأن في جوف القسوة واللهيب المنطفئ شيء من الحياة والمحاولة.

وصعدت على ارتفاع متدرج أكثر من 2000 متر فوق سطح البحر، واستقبلتني أشكال مذهلة من الصخور وتشكيلاتها المتنوعة.. تبدو هنا الصور أصدق من أي حديث.

هذا المرجان القاسي كان مدهشًا في شكله وصوته وارتباكه تحت قدمي، اختبر اتزاني مع كل خطوة، فهناك خطر التعثر وألم الجرح المتوقع إن حاولت الاستناد عليه للوقوف مرة أخرى.
تتناثر الفجوات الكبيرة بين تجويف القشور الصخرية، وأرعبتني في اللحظة التي رفعت رأسي للنظر أمامي، ففي أكثر من مرة كنت سأهوي داخلها دون إدراك، وفي الثواني الأخيرة انتبه.
قبل القمة بأمتار قليلة وبعد ساعتين من الصعود، وصلت إلى منطقة ملساء ترابها ناعم وحجارها صغيرة ومتحركة، يصعب عليك الثبات لتكمل الصعود، هنا سيطر عليّ الخوف الشديد والبكاء ورغبة عارمة بالنزول، وكنت واثقة بأني لن أستطيع الصعود أكثر، وبعد حوار طويل من “بقي شوي.. شوفي القمة هنا وصلنا” وكثير من “تقدري تقدري لا تفكري ثبتي قدمك”، تصل لي هذه الكلمات وأنا أغالب دموعي وأردد “ما أقدر وأحس إني ماني قادرة أثبت جسمي وقدمي كيف بأطلع؟ كل شيء يزلق تحت رجلي”.
هذه اللحظة كانت أعلى صعود نفسّي أجبرني على مواجهة نوع جديد من الخوف، ذلك الخوف المختبئ الذي ثار في نفسي فجأة، تصلبت أطرافي وأصبح كل شيء حولي عملاق ومرعب، وتراجعت كل نوايا الاستمرار، وبدت كل خطوة إضافية موجعة وغير آمنة، وصارعت السؤال “هل أستطيع؟”
كان الاستمرار في الصعود حينها ثقيل ومخيف ومربك، وصوت عقلي عالٍ جدًا “بالمنطق.. كيف بتكملين وقدمك تزلق؟”، ويا الله على العقل حين يحارب استمرارك بأن يجعل الصعب مستحيلًا!
انخفض صوت عقلي في ثواني وسمعت من المرشد توجيهات بالتحرك بقدمين مائلتين على اليمين قليلًا، وفي يدي اليمنى العصا، واليسرى تستند على الحجارة المتحركة، ارتقيت خطوة خطوة .. أوه وصلت!! وصلت القمة فعلًا!!
هوى حينها منطق الخوف وكل ما يحمله من شك وتردد على منحدر قمة “جبل القدر” كما هوت من تحت قدمي الحجارة المتحركة.
هذا الصعود الذي جمع بين الإقدام والتردد والضحك والبكاء والشجاعة غيّر في نفسي شيء، ومن حينها كلما سمعت “بالمنطق كيف بيصير..” أرد على نفسي “قمة جبل القدر..”في كل عام أنت بحاجة لصعود قمة تسقط معها أقنعة الخوف التي تختبئ خلف المنطق الخدّاع، لتعرف أن قيود التوقعات والظنون يمكن أن تسلبك لذة الانتصار لحظة الوقوف على القمة.

على قمة جبل القدر… جمال لا يمكن أن يوصف بكلمات اعتيادية (شاهده من الثانية 0:36)













