في معادلة زمنية تقريبية؛ من 48 أسبوعًا هناك 24 أسبوعًا كل عام أكون فيه أعلى إنتاجية وأكثر ثراء معرفي وقوة وإقبال على الحياة عن المعتاد. وفي كل مرة أحاول تفسير هذا الروتين المستمر لسنوات، وجدت له أجوبة مختلفة ومتفاوتة ترتبط بالمواسم السنوية وظروفنا الحياتية.
هي مدة عادة تأتي بعد حالة من الإحباط وعدم الرغبة في إنجاز شيء، ويتدفق بعدها شعورًا مضاعفًا بالمسؤولية للإنجاز، واستبدال الإحساس بعدم الجدوى الذي مررت به بأعمال فارقة، وهكذا تتكرر المدة على مدار السنة.
وفي محاولة لتفسيرها؛ سوف نشبهها بالإطار الشخصي الذي يرافق كل إنسان، شيئًا يشبه ”اسمك“ أو ”لون عينيك“ هو خاص بك ولكن هناك احتمالية أن يشبه إطار إنسان آخر. ولهذا الإطار صفات ثابتة أو طريقة تعامل تتجلى بوضوح مع كل حالة ارتفاع لمعدل الإنتاجية، فنمارس عددًا من الأعمال الثابتة أو المعتادة التي تعيد لنا الشعور بالإنجاز.
صفات الإطار الخاص بي يدفعني دائمًا نحو:
- القراءة المكثفة.
- الكتابة المستمرة أكثر من المعتاد.
- الرغبة في تعلم مهارة جديدة.
- زيادة معدل الاطلاع بشكل عام في مواضيع عدة.
وأي عمل أصنفه ضمن قائمة الإنجازات، بعيدًا عن مهام العمل المتخصصة أو الروتينية.
وبعد بحث وتأمل بسيط اتضح أنه مؤشر مرتبط بطبيعة تكويننا البشري الفريد، وفي قول لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه “أن لهذه القلوب إقبالًا وإدبارًا. فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإن أدبرت فألزموها الفرائض”، وفي هذا معنى يتجلى وصف حال الإنسان وتقلباته، وكيف تُضبط بالتعامل الإنساني مع النفس.
فمثلًا؛ إيمانك بأن ما تقدمه يصنع الفرق يكون عادة أقرب للشك منه لليقين كلما كبرت وزادت معرفتك، وهذه المعضلة التي خضعت لدراسات مختلفة، وطريقتي الشخصية لاستيعاب تفاصيل هذه المراحل من خلال قراءة السير والتراجم لشخصيات أبهرني نشاطهم في الحياة، بحثًا عن حالات الشك والقلق والخوف التي اعترتهم رغم كل الأعمال العظيمة التي قدموها في حياتهم، وكيف تعاملوا مع التقلبات في الإنجاز.
وجه آخر لهذه الحالة يرتبط بالتعامل مع الضوضاء والقدرة على صمّ الأذن عنها وتقديرها؛ واحدة منها هي بالونات الإنجاز المتضخمة والمتطايرة في صفحات اللينكدإن، كل ما تقرأ عن إنجاز وتعود إلى الكواليس التي شهدتها، وتعيد السؤال.. ما النجاح هنا؟ وهل المعايير المثالية التي تلاحقني في كل خطة هي التي تعرقل التقدم الذي أرجوه؟ هل تخلص منها كل هؤلاء ليشع نجمهم ويسطع على مرأى الجميع بشكل مستحق؟ حتى أنت لا تدرك هل هو نور مقتبس أو أصيل ونابع من منجزاتهم.
هذه التراكمات من التعرض المستمر لهذا النوع من الحديث السافر عن النجاح والإنجاز، تسبب بعض الحساسية التي يجب وزن تأثيرها كل مرة، بالعودة إلى الإطار الذي يشبهك والعمل الذي يمثلك، ومقاومة الشعور المربك بالزيف وعدم المصداقية.
وفي محاولة لفهم الحالة المتفاوتة من الإنجاز والركود؛ أعتقد بأن السبيل الوحيد للاستمرار، بطرح السؤال: ماذا سأترك من بعدي من إرث ونجاح؟ والانتقال إلى مرحلة الكيفية واختيار المنصات والوسائل والأساليب، ومنها إلى ثبات الالتزام بروتين يدفعك إلى الاستمرار، مع تسخير حالات الشعور المضاعف بالحماس والإنجاز في فترات متفاوتة للتعويض، والإدراك بأن الاستسلام لحالة الإحباط لوقت أكثر من اللازم هي من عمل الشيطان والله أعلم. وهنا فقط أرى السبيل لترك إرث يصنع فرق جميل لو بسيط، وستراه خيرًا بعد الممات بكل إيمان بإذن الله.