
- “ششششش” اصغي لهذا الصمت فضلًا!
حوار النفس في أقصى أوقات الضجيج يعيدك إلى الأرض التي تقف عليها في تلك اللحظة تحديدًا.
بعد يومين من الصمت العميق من ساعة وصولي إلى “العلا”، وسكني في منطقة “احترق” فيها برج الاتصالات لأعيش متعة العزلة جبرًا؛ تسلل نور نقي يدعوني للاتصال بالأرض والحجر والجبل.
يوم الأربعاء عند الخامسة فجرًا وقفت أمام جبل “مجدَر” وسط الظلام أستشعر ظله مع كل نسمة باردة، فدرجة الحرارة 5 ْ وأذان الفجر قادم من بعيد؛ نداء سماوي يصب سكينته صبًا في جوف قلبي. بالعصا والحذاء المناسب والبلوفر الدافئ والقفازات الصوفية بدأت خطوات الصعود صخرة صخرة، يرشدني للدرب ضوء معلق على جبهتي مع ارتداد الليل وانتصار الصبح.
استغرق الصعود ساعتين، ومع كل خطوة اختبر ثبات الصخور بالضغط عليها بقدمي مرة أو مرتين، قبل الوقوف عليها بكل ثقلي لانتقل لصخرة أعلى، وفي هذا الفعل مشهد من الحياة الواقعية، أن تحاول اختبار الخطوة قبل المضي لما يلي، وربما في بعضها تتعثر وتقترب من السقوط وتعيد توازنك بالاتكاء على العصا أو ربما في حياتك.. عصاك الأمل.
في الجزء الأول من قمة “مجدر” تقف على أرض مستوية إلى حد ما، يقطعها سور قصير في منتصفه نوافذ مدروسة، فتسمع تاريخ المكان.. خطو الجنود وأصوات عربات المؤونة التي تركت أثرها بوضوح متجهة نحو قلاع صغيرة، واحتكاك الأسلحة بزوايا تلك النوافذ.
وتمضي نحو القمة الثانية في مساحة تنوعت فيها تشكيلات الصخور بشكل مذهل، ورسمتها الرياح لوحات من دهشة الطبيعة.
وتصل بعد المسير إلى طريق يشبه الجسر وعلى جانبيه سفح الجبل، وتمر من فوقه يمينك ترى مزارع العلا وبيوتها البهية، وعن يسارك جبال تقف حراس للأرض والتاريخ وملامح الإنسان الصغير جدًا أمامها، وبعد المرور من هذا الجسر تتجه للنقطة الأعلى من “مجدر” حيث تختبئ العيون المطلة على المنطقة، ولها تاريخ يحكي بأنها برج مراقبة للمكان، وإطلالته تسفر بوضوح عما رأته تلك العيون المراقبة من قوافل تجّار ومسيرة الملوك والمارين أمامه من حضارة الديدانيين واللحيانيين ومن كان قبلهم وجاء بعدهم، وكل هذا يزيد من هيبة المشهد على ارتفاع 800 متر فوق سطح البحر.
في صعود جبل “مجدر” ذهنك يتصل مباشرة بمحاولة السيطرة على نفسك لتتزن دون تعثّر، وفي حضرة هذه التفاصيل الصخرية تتخفف روحك من ثقل المدينة وضجيجها، ومع صعودي فلق نور الفجر عتمتي وانبثق.
تجربة سأكررها حتمًا، وقمة سأعود لها مرة أخرى.







الوصف بديع وكلمات مستلهمه
رائعة في طرحك و نقلك المشهد ووصفك للتفاصيل، كدت أحس بأني جزء من رحلتك … ماشاء الله تبارك الرحمن