
تغرس قدميك مع كل خطوة في كثبان قاع الحاج، وتنبت من جديد في نفسك شجرة ذهبية تشبه انعكاس الشمس على جبين جبال الوادي.
كانت تجربتي الأولى في التخييم مذهلة بتفاصيلها الصغيرة التي لا يخبرك عنها أحد؛ تفاصيل لا تُروى بقدر ما تُعاش. في منطقة “قاع الحاج” بالعلا، تمتد مساحة التخييم الرسمية كأنها لوحة مفتوحة على السماء، تتناثر فيها الخيام الصغيرة والسيارات ذات الدفع الرباعي، تأتي وتغادر بهدير خافت يتناغم بطريقة عجيبة مع الصمت العميق للمكان، صمتٌ وحضورٌ كثيف للطبيعة.
مع رحيل الشمس، يتبدل كل شيء. يهبط الضوء ببطء وكأنه يطوي النهار على مهل، ثم يطل القمر بهيبته الهادئة، فتتكشف السماء عن نجومها واحدة تلو الأخرى، كألماس متناثر على كفٍّ داكنة واسعة. ترفع عينيك فتشعر أن الكون أقرب مما تظن، وأن كل نجمة تحمل فكرة، وكل فكرة تفتح بابًا صغيرًا للتأمل، حتى تصبح السماء حديثًا صامتًا بينك وبين نفسك.
خيمة صغيرة بالكاد تتسع لامتداد قدميك، لكنها تكفي لتصنع عالمًا كاملًا من العزلة الجميلة. تغلقها عليك، فتسمع ملامسة الهواء لأطرافها، كأنها خطوات خفيفة تقترب ثم تبتعد، توقظك لثوانٍ قصيرة قبل أن تعود لتغرق في نوم عميق، نوم لا يشبه نوم المدن، بل نوم من سلّم نفسه تمامًا للسكون.
من الخامسة مساءً حتى السادسة صباحًا، وبين برودة وصلت إلى خمس درجات مئوية، فُتحت في قلبي ألف نافذة للجمال. شعرت كأن الهواء أكثر نقاءً، وكأن الزمن أبطأ مما اعتدناه، يمشي على مهل كي يمنحك فرصة أن ترى، أن تسمع، أن تشعر. هناك، في ذلك البرد الخفيف، اكتشفت دفئًا داخليًا لا علاقة له بالنار التي أشتعلت في الحطب.. وتجلت السكينة.
في التخييم عودة صادقة إلى النفس؛ نفس هادئة جدًا لكنها يقظة على نحو غريب. لست معتادة على هذا الانكشاف الطويل في وسط الصحراء، على هذا الاتساع الذي لا يترك لك إلا أن تواجه أفكارك كما هي. حتى أحاديث النفس تصبح أبطأ، أكثر عمقًا. يصبح التنفس فعلًا واعيًا، يملأ الرئتين صفاءً، ويترك في القلب سكونًا لا يشبه أي سكون آخر.
هناك، في قاع الحاج، أدركت أن الجمال لا يوقظ العين فقط، بل يوقظك أنت؛ يوقظ الجزء الهادئ الذي يضيع وسط ضجيج الأيام، ويعيدك كما لو أنك تبدأ من جديد.. أخفّ، أصفى، وأكثر امتنانًا لهذه الدهشة -سبحان خالقها- للحظة بسيطة تحت السماء الشاسعة.
جمال الوصف في جمال الحياة