
معية الذات في السفر وحيدًا تضيء زوايا في نفسك لم تكن لتتجلى لولا هذه الرحلة وتلك اللحظة وهذا السكون.
هذه الفكرة للوهلة الأولى تبدو بدهية أو مبتذلة، ولكنها للإنسان بينه وبين ذاته هي والله شأن عظيم وعظيم جدًا، ولأجل هذا أجد في السفر وحيدة مسار لجوء اختاره بين عام وآخر. وبعد سنة 2025 التي زاحمت أيامها لحظات استثنائية متتالية بين الفرح والحزن، والتراجع وقوة الانتصار، أخذني المسار للسفر وحدي ولم أكن قط وحيدة.
الاختيار كان الإجابة الأولى
تترك السنوات المزدحمة في النفس أثقال من اللحظات الفارقة وأخرى هامشية، وتترسب على جوانب ذاكرتك المواقف التي لامست عواطفك، وتعوّل دائمًا على نهاية العام كوقت مبرر للتوقف عن الركض.
لتجد في جوفك على قدر الامتنان أكوام من الأسئلة المتراكمة؛ لذا؛ اختيار محطة الوقوف هي الإجابة الأولى؛ وبعد أيام متعددة من المراجعة بين الوجهات اخترت “العلا”، وكان الشرط الأساسي أن أكون فيها بعيدة عن ازدحام المظاهر والحوارات العبارة، والمحاولة بلا جدوى.
في صحبة العقاد


في رحلات السفر وحدك يكون للقراءة لذة فريدة، فذهنك حاضرٌ تمامًا، بلا حديث جانبي يلهيك، ولا نقاش يأخذ من وقتك الذي تملكه. ومع كل رحلة يهديك قلبك للكتاب المناسب بحسب هواك حينها، فوقع الاختيار قبل موعد الإقلاع بساعات قليلة على كتاب “أنا” لعباس محمود العقاد -رحمه الله- الذي يحكي فيه عن سيرته الفكرية وتفاصيل نشأته التي شكّلت فكره وشخصيته الخالدة، وهو الذي لُقبت عائلته بالعقاد لأن جد جده لأبيه اشتغل بصناعة الحرير وعقده، فسمي بـ”العقاد” وأورث من بعده اللقب.
رافقتني مسيرته من الدقائق الأولى لإقلاع الطائرة وحتى لحظات الوقوف في زحمة طريق المطار نحو منزلي بالرياض. في صفحاته كانت الحياة حاضرة بكل بهاء وتأثير وعمق وتأمل، وكان كل فصل وكأن العقاد يخاطبني بشكل مباشر، وبين سطوره وجدت المواساة والإلهام، ولعل هذا المكسب الأكبر من قراءة السيّر.
موسيقى حفيف نخيل وادي صدر
يمتد مسيال في وادي صدر غرب “العلا” ليتصل بمحمية الحرّة، وحين تتجه إلى مدخله من قلب المدينة تطل عليك بيوت الحي المألوفة وباب البقالة الصغير التي يهرب منها طفل لا يستغرب قدومك، فمن أمام منزله اعتاد مرور الغرباء نحو مزارع المنطقة.
وأنت قادم في ثياب الهارب خلف عجلة السيارة تبحث عن مسكنك المختبئ وراء جبال ترتدي نور الشمس قبل المغيب من شدة صفرتها، وترافقك طوال الطريق أغصان الشجر وسعف النخل.
طريق مسفلت “رايح جاي” يتلوى بين المزارع وتقود فيه وكأنك راكب موجة مستعد للعلو الأخير، لتطل أخيرًا بالتزامن مع مؤشر “قوقل” بوابة خضراء تتوسط سورًا بنيًّا أقصر مما تتوقع. اقتربت من الباب الذي لا يخترقه حبل مربوط تشده ليفتح، بل يجب عليك العودة لرسالة مالك المكان بتفاصيل كتبها باللغتين، وتضغط الرقم السري على جهاز للدخول -وتلاشت صورة باب حارتنا القديمة- فهذا مسكن “وادي صدر” تفتح باب “الحوش” برقم وباب غرفتك برقم آخر، وبين البابين ممرات من جمال “العلا” الذي لا يعبأ بدهشتك ويتستمر في التباهي والتجلي.
أقف وسط غرفتي الصغيرة بسرير “كينغ” شباكين ينتصف الجدار الأيمن والأيسر، واحدًا يطل على الجبل والآخر على النخل، وإن خرجت من باب الغرفة الأبيض يأخذك الممر إلى حديقة بأرجوحة معلقة، وقطيع من الأغنام خلف سور، تقبل عليك كلما اقتربت منها، وإن وقفت ساكنًا وسط الحديقة ستفهم حفيف النخيل وكأنه يعزف الموسيقى من أجلك ويحتفي بك أيها الهارب المختبئ في مسكن وراء جبال ترتدي نور الشمس.


اترك تعليقاً