
بعد أن كانت تبهرني القدرة العالية على التعايش مع النجاحات السريعة، ومشاريع “الألعاب النارية” -ومضة بين الدهشة والانطفاء- أصبحت أتوجس منها، فحين تأخذ مساحة التفكير الإستراتيجي العميق طويل الأمد، تصبح مصدرًا لإدمان مهني مربك، وكأنك في سباق ركض بدون خط نهاية في مسار من الفراغ المطلق.
وهذا الشعور تركته فترة كورونا في نفسي، فأصبحت في حالة مستمرة من الإنهاك والاستمرار لأجل الاستمرار، بدون هدف وهذا ما تدركه في لحظة أعتقد بأنها “النضج”، لذا حاولت لفترات طويلة أن أفهم ردة فعلي وسلوكي الاستهلاكي لكل شيء، حتى في شعوري تجاه الحياة ذاتها، وفي هذه الرحلة عرفت كتاب “السطحيون”، ولعل الدافع الأول لشراءه هو الغضب الذي أشعره تجاه الأيام التي جعلتنا في هذه الحالة الغريبة.. نعم أنا هنا أريد التخلص من كل شعور المسؤولية بأن لي يدًا فيما يحدث، وسألقي بها على عاتق الأجهزة أو “البلوة” كما يصفها والدي رحمه الله.

كتب نيكولاس كار فصلًا بعنوان “العقل البهلوان”، وأجزل فقط بكلمتين الوصف لما يحدث في دماغي كلما زاد استهلاكي للمحتوى الرقمي السريع، المحتوى الذي يصنع لك شعورًا وموقفًا وتفاعلًا يمتد لـ 3 ثوان، ولم يعد من الطبيعي التركيز على مهمة واحدة لمدة طويلة، وأي تلميح بأنك تحتاج للتفرّغ يواجه بالرفض أولًا بينك وبين نفسك، وبعدها ستواجه الرفض غير المعلن، والاستنكار المختبئ في العبارات المشجعة.
يقول كار بأنه كلما تدرّب عقلنا على القفز بين المهام، قلّت قدرته على التعمق في مهمة واحدة، والعجيب هو أن الإنترنت لا يدمّر ذكاءنا، لكنه يعيد تشكيله بطريقة قد تضعف من قدراتنا التأملية والإبداعية. فتستمر في القفز بين الانتباهين، الانتباه التلقائي (Bottom-up) المستجيب للمحفزات الخارجية مثل إشعارات الهاتف، والانتباه الإرادي (Top-down) والذي يتطلب تركيز واع وجهد مثل القراءة العميقة أو حل المشكلات، فيعزز الإنترنت الأول على حساب الثاني، فتفقد لياقة التركيز طويل الأمد.
ويتحدث عن وهم الإنتاج وعقدة تعدد المهام،فتعتقد بأنك أكثر إنتاجية، لكن دماغك لن يؤدي عملًا جيدًا مع التنقل السريع بين المهام، فذلك يؤذي الفهم ويزيد أخطاؤك ويستهلك طاقة عقلية أكبر، ومع الوقت تصاب بفقدان “الذاكرة العاملة” المسؤولة عن الاحتفاظ بالمعلومة مؤقتًا أثناء معالجة ما تستهلكه، فيصبح التفكير النقدي والتحليل وحل المشكلات أصعب.
ولكن هل هذا الأمر نهائي وسنصبح أقل “عبقرية وذكاء” بسبب الإنترنت؟
الحقيقة هي أن دراسات تصوير الدماغ (fMRI) أظهرت بأن مستخدمي الإنترنت النشطين يظهر لديهم نشاط أكبر في المناطق المرتبطة باتخاذ القرار السريع والتنقل البصري، لكنهم أضعف في الاستيعاب العميق، وعلى الرغم من كل هذا.. حماية عبقريتك وفرادتك الفكرية ونباهتك الذهنية، هو في نطاق تحكمك تمامًا، فالاستهلاك يتزن حين تعطي طاقتك لشيء آخر يزيد من عمق التفكير والتركيز ويمنحك حقك الإنساني بأن تشع وتضيء بتميّز عميق ومستحق.
ومن الخطوات الوقائية التي اتخذها، وأعود لها في كل مرة أدرك بأني في حالة “العقل البهلوان” الرياضة والقراءة وتعلّم شيء جديد، وفي كثير من الأحيان خوض النقاشات المطوّلة مع أصحاب العقول المذهلة، وجلسات التأمل الطويلة، والتخفيف من استهلاك المحتوى الرقمي.
وكما يقول غازي القصيبي -رحمه الله- عما يحتاجه ليكتب:
“أنا بالنسبة لي لا يهم إلا أن يكون هناك قدر من السكون”
وهذا يكفي لكل شيء.. السكون لتعود لحالتك الطبيعية المبدعة، ويهدأ العقل البهلوان للحظة.
اترك تعليقاً